يتسرب الوطن مني …
كحفنة رمل …
حملها القلب بين يديه ….
وأعياه التعب …
فتباعدت الأصابع …
يتلاشى …
كغيمة .. حلم …
بددتها الهموم…
شظّاها دخان أسود …
ينبعث من قلوب …
يأكلها الحقد … والخوف المتبادل !!
يتشوه وطني …
عاما بعد عام ….
تجثم على قلبه …
أورام التاريخ ….
خبيثةٌ كلها ..
فتصاب خلاياه بالعدوى …
وتأكل بعضها ….
يسقط وطني ..
عاما بعد عام …
في غيبوبة الزمان والمكان …
لا يبقى منه …
سوى هيكل … إطار …
أفرغوه من مضمونه …
حولوه …
أرضا … بلا روح

تفوح في بالي هذه الأيام … رائحة البارود المتنكر بعطر "الديمقراطية" ..
للبنان طعم غريب في مواسم الانتخابات …
يجف الحبر على مذابح الشعارات والخطابات … ينضب الورق في مزارع الصور ..
صور مهدورة ليس لها داع ….
لوجوه تلتصق بمخيلتنا وتفاصيل أيامنا منذ سنين … يجترها الزمن في كل موسم …
أي حاجة لصور تذكرنا بها؟
ليتنا نعرف ما وراء تلك الصورة ..
ما خلف تلك الملامح التي لا تعرف الابتسام إلا أمام عدسات التصوير … وخلف ظهورنا …
يلملم الوطن قيوده … في لوائح شطب … خلق قضبان الصناديق …
ويلملم اللبناني ذاكرة بعثرها بين يومياته .. يجمعها في بنوك الزمن …
لا يحتاج إلى سيولتها الآن …
لكنه سيحتاجها فور انقضاء الاقتراع ليفتتح مواسم "النق" المستدام …
على زعماء وشيوخ وأمراء … ابتلعوا ماضيه … ويمزمزون حاضره …
ويعيد انتخابهم ليهضموا مستقبله ..
لا أعرف لماذا … في كل موسم انتخابي …
تصم أذني قهقهات الصور مدوية … على شعب يستمتع بغبائه …
أرى في كل صورة لمرشح نظرة استهزاء …
أتخيل أرتال الوجوه المتناحرة المعلقة فوق الأعمدة وعلى لوحات الاعلانات … متقفة ..
مصطفة كفرقة دبكة نصفق لخطواتها المتواجهة بتناسق على مسرح خرابنا …
كجوقة زجل ..نهلل لأبياتها المشحونة بالتحدي.. وهي في نهاية الأمر ..
مشهد مسرحي … لاحتضار شعبٍ … يصفق في جنازته.!!!
نقتل الوطن بأيدينا ..
عندما يصبح ..
مجرد علم … نلصقه على زجاج سيارة..
ثم نقوده .. نحو الهاوية … بكل تفان … وطائفية ..!!!!

عجبي لأمة … أدمنت الدماء …
تُسفَك من أجسادها ….
كل زمن … كل عصر … كل عام …
كل يوم …
وهي …
تجلس في مخدع …
تحصي الضحايا … تعد الأشلاء …
عجبي!!!
يتفرج على مآسينا … عالمٌ يدمن "الأكشن" …
يهوى أفلام "مصاصي الدماء" ….
ونحن نساق إلى مسارح العرض …
بكل صمت …
بكل عهر ….
بكل غباء ….
قد أدمنّا دور الضحية …
فهو أسهل الأدوار …
أحقر الأدوار ….
ما همّ؟!! إن كانت الصفقات تعقد …
والأثمان تدفع …
والعروش لا تزال .. تلتصق بجالسيها !!!
ونحن ….
أدمنا السكوت … والتهليل والتصفيق ..
كما أدمنّا لذة الذبح … وأتقنّا البكاء …
عجبي !!!
تُقرع الطبول …
تُحشد الجيوش …
تُزمجِر الأرض …
كلما قُتلت قطة في "مستوطنة" ….
أو أصيب محتلٌ بانهيار عصبي …!!!
وفوق أجساد الأطفال …
في غزة … أو نابلس .. أو جنين …
تمر الدبابات ….. والقنابل ….
فمن أعطاها حق المرور؟؟؟
إنهم ساكني العروش .. … قابضي القروش …
رسُلنا … وما على الرسول .. إلا الرثاء!!!
غزة الدامية …
ماذا تنتظرين؟؟؟
من عربٍ …
راقهم جوعك …
تفرجوا … بل شاركوا في حصارك؟؟
شربوا الأنخاب .. مع الأعداء ….
تآمروا على جراحك ….
طربوا لأنينك المخنوق ….
حرموك الغذاء … حرموك الدواء ….
غزة …
ما عاد في الزمان وقت للانتظار …
فالمدمن عبدٌ …
لا يعرف حدا للتوقف … للممانعة …
لا يعرف طعم الإباء ….
انظري إلى عروق الأرض تغلي تحتك ….
تذكّرك بأنك لها وحدها ..
ووحدها العزيمة … والمقاومة … تعيد الحرية … والكرامة …
لا أوراقَ موقعةً مع معربد محتال
يكتب حرفا …. ثم يجعله … هراء !!!
لا تنظري إلى البحر …
فالسفن بعيدة جدا ….
والكون أصم … لا يسمع النداء ….
لا تنظري إلى السماء ….
فقطعانهم الهائجة في الجو تعبث بأمانك …
تكتم أنفاس الهواء ….
لا تنظري إلى سيناء …
فالجدار الفاصل وجد له توأما …
وأنت سجينة المحتل .. والجار …
ضحية لأنظمة ..ربما … لا تفهم إلى لغة الحذاء ….
أيها القادمون .. من خلف التلال ..
العائدون من أرض الزيتون …
من البعيد تلوحون ..
تطأون فتات قيد حطمته عزيمتكم ..
تفتحون الذراعين .. لسماء الوطن ..
تلوحون بأكف .. دكت عجرفة صهيون …
أيها القادمون ..
فوق جبينكم عرق السيادة ..
ومن زنودكم نضجت عناقيد الاستقلال ..
وفي عيونكم .. تشرق شمس الحرية …
أيها القادمون ..
ها هي صخرة أبية في مارون الراس ليّنها الشوق …
ها هي أفئدة .. توقفت عن الخفقان قبل سنين …
أمهات هن الأجمل … يخرجن من أسر اللهفة إلى حضن اللقاء …
ها هو طير الوروار المرتحل إليكم فوق المسافات وعبر الزمن …
ها هو تراب … ينضح بأنفاس نضالكم …
وها أنتم …
تقطعون المسافات ..
تعبرون جسور السنوات …
تطلون من عروش المجد ..
تنظرون من عليائكم إلى ذلٍّ .. في المقلب الآخر ..
ذل لم يحلموا يوما بمذاقه …
أيها القادمون …
هامات تأتون ..
رايات تأتون …
أرقاما وأسماء تأتون …
ينتظركم الوطن في الميادين وقد انتظرتوه عقودا .. فما قيمة الساعات؟؟
فوق الأكف يحملكم … وتحملونه في القلوب والهامات …
في الساحات يرفعكم … وترفعون جبينه بين الأمم والدويلات …
في صدور الصحف وفي عناوينها يكتبكم… وتكتبون أحرفه بالدم والنار .. صفحات …
أيها القادمون …
من زئير الأسد في قلوبكم تتنكس رؤوس الأفاعي …
من ظلمات سجنكم يتفجر نور الوطن …
وفي عودتكم نسجل للعز وقفات …
الصفحة التالية »